الغزالي

102

إحياء علوم الدين

فإنها أقدم وجودا . إذا الصبي في مبدأ الفطرة تخلق له الشهوة . ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب . وبعد ذلك يخلق له قوة التمييز والسبب الثاني : أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه ، والطاعة له ، وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا ، والناس فيه على أربع مراتب الأولى : وهو الإنسان الغفل ، الذي لا يميز بين الحق والباطل ، والجميل والقبيح ، بل بقي كما فطر عليه ، خاليا عن جميع الاعتقادات ، ولم تستتم شهوته أيضا باتباع اللذات . فهذا سريع القبول للعلاج جدا ، فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد ، وإلى باعث من نفسه ، يحمله على المجاهدة ، فيحسن خلقه في أقرب زمان والثانية : أن يكون قد عرف قبح القبيح ، ولكنه لم يتعود العمل الصالح ، بل زين له سوء عمله فتعاطاه ، انقيادا لشهواته ، وإعراضا عن صواب رأيه ، لاستيلاء الشهوة عليه . ولكن علم تقصيره في عمله . فأمره أصعب من الأول ، إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه ، إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولا ، من كثرة الاعتياد للفساد ، والآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح . ولكنه بالجملة محل قابل للرياضة ، إن انتهض لها بجد وتشمير وحزم والثالثة : أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة ، وأنها حق وجميل ، وتربي عليها . فهذا يكاد تمتنع معالجته ، ولا يرجى صلاحه إلا على الندور ، وذلك لتضاعف أسباب الضلال والرابعة : أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد ، وتربيته على العمل به ، يرى الفضيلة في كثرة الشر ، واستهلاك النفوس ، ويباهي به ، ويظن أن ذلك يرفع قدره . وهذا هو أصعب المراتب . وفي مثله قيل : ومن العناء رياضة الهرم ، ومن التعذيب تهذيب الذيب والأول من هؤلاء جاهل فقط ، والثاني جاهل وضال ، والثالث جاهل وضال وفاسق والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير وأما الخيال الآخر ، الذي استدلوا به ، وهو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا ينقطع عنه الشهوة والغضب ، وحب الدنيا ، وسائر هذه الأخلاق ، فهذا غلط وقع لطائفة . ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها . وهيهات . فإن الشهوة خلقت لفائدة ،